…….سكن الليل…….
في سكن الليلِ، حيثُ يسكُنُ الصمتُ عميقاً،
تُغلقُ أبوابُ النهارِ، وتُفتحُ أسرارُ الغيبِ.
نجومٌ كالقناديلِ تتدلى من سقفِ السماءِ،
تُضيءُ دروبَ الذاكرةِ المتعبةِ بالحنينِ.
يا سكنَ الليلِ، أنتَ الملاذُ للقلوبِ الوحيدةِ،
تجمعُ شظايا الأحلامِ المبعثرةِ في الريحِ.
هنا يهمسُ القمرُ للوردةِ النائمةِ تحتَ الندى،
ويروي لها حكاياتِ الغيومِ التي عبرتْ بحرَ الزمانِ.
في زواياكَ السوداءِ، تُبعثُ أرواحُ الذكرياتِ،
تتراقصُ كالظلالِ على جدرانِ القلبِ العتيقةِ.
ريحٌ باردةٌ تحملُ عطرَ الياسمينِ المنسيّ،
وتُوقظُ في النفسِ شوقاً لما لم يكنْ ولن يكونَ.
سكنُ الليلِ، أنتَ المعلمُ الصامتُ للصابرينَ،
تُعلّمُنا أنَّ الظلامَ ليسَ نهايةً بل بوابةً.
فيهِ تُكتبُ الآمالُ بخطٍّ من ضوءٍ خافتٍ،
وتُمحى الهمومُ كأنها قطراتُ مطرٍ على الرمالِ.
يا من يسكنُ الليلَ، لا تخفْ من صوتهِ الجهوريّ،
فهوَ يُغنّي لكَ أناشيدَ الروحِ المتعبةِ.
في حضنِهِ ينامُ الجرحُ ويستيقظُ الأملُ،
ويُصبحُ الصباحُ أجملَ بعدَ طولِ الانتظارِ.
نجومُكَ شهودٌ على كلِّ دمعةٍ سالتْ في الخفاءِ،
وقمرُكَ يحرسُ أحلامَ العاشقينَ المتيمينَ.
يا سكنَ الليلِ، أنتَ الصديقُ الذي لا يخونُ،
تُخفي عيوبَنا وتُبرزُ جمالَ الروحِ الخفيّ.
في أعماقِكَ، تسكنُ الملائكةُ والشياطينُ معاً،
يتصارعانِ في صمتٍ، ثم يتصالحانِ عندَ الفجرِ.
أنتَ مدرسةُ الحكمةِ بلا كلامٍ،
وتذكرةٌ بأنَّ كلَّ ليلةٍ تحملُ بذرةَ نورٍ جديدٍ.
سكنُ الليلِ، أنتَ بيتي حينَ يضيقُ النهارُ عليَّ،
فيهِ ألقي همومي وأستعيدُ نفسي من جديدٍ.
في هدوئكَ أجدُ السلامَ الذي يفلتُ من يدي النهارَ،
وفي ظلمتكَ أرى أجملَ ما في الكونِ من جمالٍ.
أضف تعليق