حين يزهر الصبر//بقلم المبدعة الاديبة الشاعرة سعاد علي الجروشي _ليبيا

” حين يُزهر الصبر “

لم يكن لها اسمٌ يُقال .. كانت حكاية
تُكتب على مهل، وتُقرأ بالقلب.

وُلدت في بيتٍ بسيط، لكنه عامرٌ بالقيم، تُسقى فيه الأرواح حبًا ويُربّى فيه القلب على العطاء قبل أن يعرف الأخذ. ومنذ طفولتها كانت الحياة تختبرها بطريقتها الخاصة .. فقد وُلدت بإعاقة
جعلت الطريق أمامها أكثر وعورة، لكنها لم تُطفئ فيها رغبة السير.

بل على العكس .. مضت، تتحدّى، وتُكمل تعليمها خطوةً خطوة، بإصرارٍ لا يلين، وبفضلٍ من الله، ثم بدعمٍ صادق من والديها وإخوتها، الذين كانوا سندها حين يضعف الجسد، وقوتها حين يطول الطريق.

كانت تُكمل دراستها، وفي الوقت ذاته تتلقى العلاج، وتخوض رحلةً شاقّة بين المستشفيات وغرف العمليات، حيث أُجريت لها العديد من العمليات الجراحية، لكنها كانت تعود في كل مرةٍ أكثر صبرًا، وأشد تمسّكًا بالحلم.

في بداياتها، لم تكن تكتب الشعر .. كانت تميل إلى القصص العاطفية، تكتب عن الحب، والخذلان، والانتظار الطويل، كأنها تُدرّب قلبها على البوح. خطّت حكاياتٍ كثيرة، لم ترى النور، ذلك ما يزال مؤجّلًا، ينتظر لحظة صدقٍ.

ثم نضجت الكلمات معها .. فمالت إلى قصائد النثر، أعمق، وأكثر هدوءًا، كأنها لم تعد تروي الحكاية، بل تكشف ما يختبئ خلفها.

لكن الحياة لم تكتفِ .. فقد أنهك المرض صحة والديها، وتبدّلت الأدوار دون استئذان. لم تعد تلك الفتاة التي تُحاط بالرعاية، بل أصبحت هي السند.

خرجت إلى العمل، وحملت مسؤولية إخوتها، تجمع بين التعب والواجب، بين لقمة العيش وحلمٍ ترفض أن تتركه يذبل. كانت تعود منهكة .. لكن شيئًا بداخلها كان يُزهر رغم كل شيء، فيوقظها لتكتب.

تنشر كلماتها، فيأتيها الكثيرون .. يمدحون، يُشجّعون، ثم يعدون.
وعدوها بأن يروا اسمها على غلاف كتاب، بأن يفتحوا لها أبواب النشر، بأن يجعلوا حلمها حقيقة. وكانت تُصدّق .. لأن قلبها كان نقيًا بما يكفي ليؤمن.

لكنهم رحلوا .. واحدًا تلو الآخر. تركوا خلفهم صمتًا، وأسئلة، وخيباتٍ أثقل من أن تُحكى.
خذلها الكثيرون .. لكنها لم تخذل نفسها.

وفي الوقت الذي كانت تقترب فيه من حلمها .. جاء الفقد.
رحل والداها قبل أن يُبصرا ثمرة صبرها، قبل أن يلمسا الكتاب الذي كانت تكتبه من بين تعب الأيام، ومن بين وجعها الصامت. كان الغياب موجعًا حدّ الصمت، كأن شيئًا في داخلها انكسر .. ثم اختار أن يصمت كي لا يسقط.

بكت .. لا ضعفًا، بل حبًا.
وتألّمت .. لا اعتراضًا، بل وفاءً.
لكنها لم تتوقف.

كانت تعرف، في مكانٍ عميقٍ منها، أن الصبر لا يضيع .. وأن ما يُزرع بالوجع، يُزهر يومًا، ولو بعد حين.

في كل مرةٍ كان الحزن يثقلها، كانت تكتب. كأنها تُحدّثهما، كأن كل سطرٍ رسالة، وكل كلمة دعاء، وكل نصّ محاولة للاقتراب من غيابٍ لا يُطال.

في كل مرةٍ كانت تُكسر، كانت تُزهر من جديد.
وكان حولها القليل .. لكنه كان كافيًا. أصدقاء صادقون، وبعض القلوب الطيبة، يربّتون على تعبها، ويهمسون: أنتِ قادرة .. فقط استمري.

وفي لحظةٍ فاصلة، قررت أن تكتب نهايتها بيدها .. لا بوعود الآخرين.

جمعت ما استطاعت من مال، رغم ثقل المسؤوليات، ورغم وجع الفقد، وخاضت الطريق وحدها .. حتى أصدرت ديوانها الأول على نفقتها الخاصة.

حين حملت كتابها، شعرت أن كل شيءٍ قد عاد إليها بطريقةٍ أخرى ..
أن التعب لم يذهب، وأن الدموع لم تكن عبثًا، وأن الغياب .. لم يكن نهاية.

ابتسمت
لأنها أدركت أخيرًا أن الصبر لا يُؤلمنا عبثًا، بل يُعيد تشكيلنا، ثم يُزهر.

رفعت كتابها كأنها تُريه لمن لا يُرى، وهمست في قلبها:
لقد وصلت .. كما تمنيتما.

وما زالت تكتب
لأن الحكاية لم تنتهِ
ولأن ما زُرع في قلبها يومًا .. ما زال يُزهر.

سعاد علي الجروشي – ليبيا

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ